التظلمات من الأوامر على عرائض لا تُنظر بإجراءات القضاء المستعجل، بل تُنظر بإجراءات القضاء العادي. وإذا صدر أمر على عريضة خلال فترة الإجازة القضائية، فإن مدة التظلم منه تبدأ من تاريخ أول يوم دوام عقب الإجازة القضائية، ولا يتم التظلم منه أمام القاضي المناوب. الأمر على عريضة صحيح قرار وقتي، لكن التظلم منه ليس طلبًا وقتيًا بل طلبًا موضوعيًا كونه يتضمن طلبًا بإلغاء الأمر، وطلبات الإلغاء طريقها القضاء الموضوعي. وعلينا أن نفهم أن الأوامر على عرائض قد تصدر من رئيس المحكمة إذا طُلبت استقلالًا، وقد تصدر من القاضي الذي ينظر الدعوى إذا قُدم الطلب تبعًا لدعوى منظورة. وفي الحالة الأولى، يُقدم التظلم إلى رئيس المحكمة، ولرئيس المحكمة الحق بإحالة التظلم إلى أي قاضٍ آخر لنظر التظلم والفصل فيه باعتباره دعوى كأي دعوى عادية.
وإذا كان الأمر صادرًا تبعًا لدعوى منظورة، فيُقدم التظلم إلى نفس القاضي مصدر الأمر، وهذا ما أكده المشرع في نص المادة ٢٥١ من قانون المرافعات. ولذلك، إذا كانت هناك دعوى منظورة، وفي آخر يوم من شعبان أصدر القاضي الذي ينظر الدعوى أمرًا على عريضة تبعًا للدعوى المنظورة لديه، وتم إعلان من صدر ضده الأمر بالأمر، فيتم تقديم التظلم إليه، وتبدأ مدة التظلم من تاريخ أول يوم دوام عقب الإجازة، ولا يُقدم التظلم إلى القاضي المناوب.
حتى الأوامر على عرائض التي يصدرها القاضي المناوب لا يتم التظلم منها أمامه، بل يتم التظلم منها عقب انتهاء الإجازة القضائية إلى رئيس المحكمة... وسوف نذكر الأدلة التي تعزز هذا الرأي ونرد على الحجج التي يستدل بها من يرى أن التظلم يُنظر بإجراءات مستعجلة في محورين كالتالي:-
• المحور الأول : الأسانيد التي تؤكد أن التظلم من الأمر على عريضة لا يُنظر بإجراءات القضاء المستعجل:
1. أول سند أورده المشرع بنص المادة ٢٥١ من قانون المرافعات هو تأكيده أنه إذا صدر الأمر على عريضة تبعًا لدعوى منظورة، فيتم التظلم إلى القاضي الذي ينظر الدعوى. وهذا يعني أن التظلم يُنظر مع الدعوى الموضوعية، ولا يُنظر بإجراءات مستعجلة.
2. السند الثاني وهو نفس النص السابق الذي أكد أن الحكم الصادر في التظلم يتم استئنافه طبقًا للقواعد المقررة في قانون المرافعات، ولم يقيد ذلك بقواعد استئناف الأحكام المستعجلة. وعندما يقول النص (طبقًا للقواعد المقررة) أي طبقًا للقواعد العامة للاستئناف، والقواعد العامة للاستئناف تعني قواعد وإجراءات استئناف الأحكام العادية، لأنها الأصل، والاستثناء لا يتقرر إلا بنص. وبالتالي، فإن الحكم الصادر في التظلم من الأمر على عريضة حكم عادي وليس مستعجلًا، وهذا يعني أن التظلم من الأمر على عريضة يُنظر بإجراءات القضاء العادي وليس المستعجل.
3. أن الطلبات التي يتضمنها التظلم من الأمر على عريضة هي طلبات موضوعية، كون المتظلم يطلب إلغاء الأمر على عريضة، وطلبات الإلغاء طلبات موضوعية وليست مستعجلة.
4. أن نص المادة ٢٥١ من القانون اليمني مأخوذ من نص المادة ١٩٧ من قانون المرافعات المصري التي نصت بالقول: *(لذوي الشأن، الحق في التظلم إلى المحكمة المختصة، إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك، ويكون التظلم بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى أمام المحكمة خلال عشرة أيام من تاريخ صدور الأمر بالرفض أو من تاريخ البدء في تنفيذ الأمر أو إعلانه بحسب الأحوال. وتحكم المحكمة فيه بإصدار الأمر أو بتأييد الأمر الصادر أو بتعديله أو بإلغائه)*. والقول بأن التظلم يُرفع بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى يعني أن التظلم يُنظر كأنه دعوى عادية، ولا يُنظر بإجراءات القضاء المستعجل.
• المحور الثاني: الرد على شبهات القائلين أن التظلم من الأمر على عريضة يُنظر بإجراءات القضاء المستعجل: هناك عدد من الشبهات يثيرها القائلون أن التظلمات من الأوامر على عرائض تُنظر بإجراءات القضاء المستعجل، وفي هذا المحور نتناولها ونناقشها كالتالي:-
1. الشبهة الأولى: وهي قولهم أنه طالما أن الأمر على عريضة قرار وقتي، فإن التظلم منه يكون نزاعًا وقتيًا. والرد على هذه الشبهة هو أن الوقتية في الأمر على عريضة لا تعني الاستعجال، وإنما تعني أن الأمر على عريضة لا يمس أصل الحق ولا يتناول موضوع النزاع. لذلك، فإن مصطلح الوقتية هنا لا يرادف مصطلح الاستعجال، بل يعني عدم المساس بأصل الحق. مثل الأمر بالحجز التحفظي، هو قرار وقتي تحفظي لا يمس أصل الحق، لكن هل دعوى صحة الحجز موضوعية أم مستعجلة؟ بكل تأكيد أن دعوى صحة الحجز هي دعوى موضوعية وليست مستعجلة.
2. تحججهم أن مدة التظلم من الأمر على عريضة مدة قصيرة وهي عشرة أيام، وهذا يعني أن التظلم من الأمر على عريضة يُنظر بإجراءات القضاء المستعجل. والرد على ذلك أن هذا القول لا يعد معيارًا لتحديد طبيعة الإجراءات التي يجب أن يُنظر فيها التظلم. فأمر الأداء أجاز المشرع التظلم منه خلال عشرة أيام، ومع ذلك فإن التظلم من أمر الأداء يُنظر بإجراءات عادية وليست مستعجلة رغم أن مدة التظلم عشرة أيام فقط.
3. تحججهم أن الأمر على عريضة قد يتم تنفيذه، وأنه لا معنى للتظلم بعد تنفيذ الأمر على عريضة. والرد عليه هو أن من يقول هذا القول يتعامل مع الأمر على عريضة وكأنه حكم موضوعي، وهذا غير صحيح. فيجب أولًا أن نتفق أن الأوامر على عرائض ليست قرارات موضوعية حاسمة، وأنها لا تمس أصل الحق، وأن تنفيذها لا يعني أبدًا اكتساب من صدر الأمر لمصلحته حقًا أو مركزًا قانونيًا موضوعيًا إطلاقًا. طالما أنه قرار وقتي أو تحفظي، فإن هذا معناه أن تنفيذه يفترض مقدمًا أنه لا يسلب من صدر ضده الأمر حقًا موضوعيًا أبدًا. فالأمر على عريضة بالحجز التحفظي لا يعني أن الحاجز صاحب حق، ولا يعني أن المحجوز عليه محكوم عليه، وأن المال المحجوز مملوك لطالب الحجز. والأمر على عريضة بالإذن بري وسقي مزروعات طالب الأمر لإنقاذها من الهلاك، فإن تنفيذ الأمر هنا لا يعني اكتساب طالب الأمر حقًا بري مزروعاته بصفة مستمرة، ولا يعني أن المزروعات أو الأرض المزروعة فيها مملوكة له. فيبقى لمن صدر الأمر ضده الحق في التظلم بعد انتهاء الإجازة القضائية، لأي سبب يتعلق بالأشجار نفسها أو يتعلق بالأرض المزروعة فيها.
• فيجب أن يُنظر للأمر على عريضة دائمًا أنه قرار وقتي، وأن تنفيذه لا يسلب من صدر الأمر ضده أي حق موضوعي.
• أما القول أن التنفيذ قد يؤدي إلى فتنة، فإن المعايير القانونية لا تقوم على طبيعة الأشخاص وهل ستقع بينهم فتنة أم لا، بل تقوم على طبيعة الحق أو الإجراء المطلوب اتخاذه، لا على طبيعة الأشخاص أنفسهم.
• لذلك، فإن الخلاصة أن التظلم من الأمر على عريضة يُنظر بإجراءات القضاء العادي لا المستعجل. ولذلك، فإن تعميم هيئة التفتيش القضائي الذي اعتبر التظلم من الأوامر على عرائض من القضاء المستعجل لم يكن دقيقًا، ونرى وجوب مراجعته.
والله تعالى أجل وأعلم.
ودمتم برعاية الله
القاضي مازن الشيباني
٣ رمضان ١٤٤٦
تعليقات
إرسال تعليق